الأستاذ منصور كان معلم مميز.. درسني في المرحلة الثانوية.. تميزه لم يكن في تعليم المادة بل كان يلعب دور آخر مختلف.. كان في كل يوم يحرص على أن يكون طلابه أفضل.. كان لديه قدرة رائعة على التحفيز والإلهام والعطاء دون حدود.. كنا نستمع إليه بشغف ونطبق ما ينصحنا به بكل حماس.
ربما انت مررت أيضاً بنفس التجربة.. عندما يكون المعلم ليس فقط للتعليم وإنما ملهم وموجه حياة.. وهذا هو الدور الحقيقي للمعلم. اليوم سأتحدث عن الطرق التي يمكن للمعلمين والمرشدين الطلابيين وكل العاملين مع الشباب في توجيه هذا الإلهام وهذا العطاء بطريقة علمية وملموسة حتى لا يكون فقط لبث الحماس والتحفيز بل حتى يقدم مساعدة حقيقية للطالب من اجل التخطيط والنجاح في حياته المهنية المستقبلية.
بداية يجب أن نقرر بأن المعلم ليس المطلوب منه أن يكون مرشداً مهنياً ولكنه شريك مهم في هذه العملية. فبينما يهتم المرشد المهني بتطبيق معارفه في توضيح الاختلافات الفردية بين الطلاب وتقريب فهم الطلاب لواقع سوق العمل والفرص التعليمية المتاحة، يأتي دور المعلم ليشارك في الإرشاد المهني بطريقة أخرى فهو مميز في عملية التعليم وإكساب المهارات كما أنه قريب من الطلاب وله علاقة قوية معهم. وهذا ما يجب استغلاله لكي يشارك في الإرشاد المهني للطلاب. هناك أيضا شركاء آخرين مهمين يساهمون في العملية وهم الشركات وأرباب العمل الذين يمتلكون فهم حقيقي لاحتياجات السوق وأيضا المؤسسات التعليمية المتخصصة بالتعليم بعد الثانوي على اختلاف أشكالها وتخصصاتها. يعمل جميع هؤلاء الشركاء في مساعدة الطالب على استكشاف الفرص المهنية والتقدم خطوات إلى الأمام في التخطيط حياته المهنية واتخاذ القرارات المهنية بطريقة واعية.
سأتحدث هنا عن خمسة أدوار أو طرق يمكن للمعلم أن يشارك فيها في توجيه الطالب مهنياً..
أولاً: الحوار المهني:
ونقصد به دفع الطلاب نحو إثارة الأسئلة وتبادل الأحاديث حول المستقبل المهني وكيفية التخطيط له وفهم سوق العمل واستكشاف الفرص المتاحة فيه. المعلم هنا يلعب دور المحفز والميسر لهذه الحوارات والتي نعتقد انها مهمة جدا في الإرشاد المهني. لنتذكر أن المعلم قبل كل شيء هو شخص مر بتجربة اختيار التخصص واكتشاف الذات والبحث عن عمل ولديه أمور كثيرة ليشاركها مع الطلاب. بالطبع يجب الحذر من تعميم تجربته أو إسداء نصيحة بناء عليها لكن المطلوب كما ذكرت هو إثارة حوار مهني عام مع الطلاب للحديث عن المستقبل
الدور الثاني هو تعزيز جاهزية الطلاب للتفكير في المستقبل المهني:
.. لا يمكن ان ننجح نحن المرشدون المهنيون في توجيه أي طالب ما لم يكن جاهزاً لذلك. وأقصد بكلمة جاهز أن يكون لديه الثقة بنفسه والاهتمام والحماس والشعور بأهمية القرار وحساسية المرحلة التي سيقدم عليها بعد تخرجه من الثانوية.. إن أفضل من يجهز الطلاب ويلفت انتباههم لهذه الأمور هو المعلم المميز. كيف يفعل ذلك؟ (1) إعطاء الطلاب الفرصة للحديث عن احلامهم وهمومهم ومن ثم العمل على بث الأمل فيهم ورفع الثقة بأنفسهم ورسم صورة إيجابية رغم التحديات الصعبة مثل صعوبة الحصول على قبول في الجامعة وصعوبة اختبار القدرات وغير ذلك. (2) الاستشهاد بقصص واقعية لأشخاص حققوا نجاحات مميزة بسبب التخطيط والتفكير في المستقبل المهني (3) مناقشة بعض المشوشات التي تؤثر بشكل سلبي على التفكير بالمستقبل وأخيراً إرشادهم للمصادر المفيدة للطلاب مثل موقع اكتشاف وغيره وأيضا حثهم على المشاركة في دورات اختيار التخصص التي يقيمها المرشد الطلابي في المدرسة أو زيارة مرشد مهني محترف للحصول على المساعدة إن احتاج إلى ذلك.
كل هذه الخطوات في غاية الأهمية في تجهيز الطلاب للتفكير بجدية في مستقبلهم المهني واتخاذ القرار.. ولا يمكننا نحن المرشدون المهنيون ان نعمل مع الطالب ما لم يصل إلى هذه المرحلة.. ومن هنا تأتي أهمية المعلم ودورُه الفعال.
ثالثاً: ربط المادة العلمية بعالم المهن وسوق العمل
لا اعتقد انه يوجد حافز للتعلم أقوى من أن يرى الطالب التطبيق العملي والاستخدام اليومي لما يتعلمه. أذكر يوماً وأنا طالب في المرحلة الثانوية وفي منتصف حصة الرياضيات، قام طالب وهو متضجر من صعوبة فهم موضوع التفاضل والتكامل.. وقال للأستاذ: ما أهمية كل هذا؟ لماذا تتعبنا بهذه الأمور المعقدة؟ هل تتوقع انني عندما أذهب لشراء الخضروات من السوق أن أستخدم هذه المعادلات الصعبة؟ ضحكنا جميعاً كطلاب فهو يتحدث عن هاجس موجود لدينا جميعا عن سبب دراستنا لهذه المعادلات المعقدة. لكن الغريب أن الأستاذ صمت أمام سؤال الطالب دون أي تعليق ثم أكمل الدرس. طبعاً لا تسأل عن حماسنا لتعلم هذه المعادلات طالما أننا لا نجد فائدة عملية منها. لكن تخيلوا معي سيناريو مختلف.. لو طرح علينا المعلم مشكلة هندسية من واقع سوق العمل مثل طريقة صناعة الطائرة أو تصميمها وحدثنا كيف يمكن حل هذه المشكلة عبر التفاضل والتكامل.. هل سيكون حماسنا مختلفاً؟ بالتأكيد نعم. لاحظ ان هناك هدفين تم تحقيقهما هنا.. أولاً: إشعال حماسنا لتعلم هذه المادة وثانياً: فهم مهنة الهندسة بشكل أفضل.. وبالتالي تعزيز قدرتنا على اختيارها كمهنة مستقبلية لبعض منا.. ألا ترون كم هذا مفيد.. إن هذا الدور يمكن للمعلم أن يقوم به في كل التخصصات بلا استثناء. مرة أخرى، قيام المعلم بربط ما يقوم بتعليمه بمشكلات في سوق العمل والاستعانة بمتخصصين للحديث مع الطلاب عن هذه المشكلات وكيف سيكون فهمهم للمادة العلمية التي يدرسونها الان مفيدا في المستقبل.. هذه الخطوات لها أثر إيجابي على التعلم من جهة وعلى فهم سوق العمل وهذا ما نريده من المعلمين.
رابعاً: تطوير المهارات العامة والأخلاقيات المهنية
نحن نعلم الأهمية الكبيرة للمهارات العامة في نجاح الطالب في مستقبله المهني. من هذه المهارات على سبيل المثال القدرة على التحليل والتفكير النقدي والكتابة والقراءة والخطابة والإقناع ومد العلاقات مع الناس وغير ذلك كثير. إن حديث المعلم عن هذه المهارات وكيفية تطويرها ومتابعة الطلاب لحثهم على ذلك أمر مفيد للغاية. فعلى سبيل المثال، يتحدث معلم الفيزياء أو الكيمياء مع الطلاب عن مهارات التحليل والتفكير النقدي ويتحدث معلم اللغة العربية عن مهارات الكتابة والقراءة والتواصل بشكل عام وهكذا. إن تنبه الطلاب إلى لغة المهارات وأهميتها في سوق العمل له أثر كبير على حياتهم المهنية. الخطوة التالية هي دمج هذه المهارات وتطويرها لتكون جزء من العملية التعليمية والحديث في هذا يطول لكن تطبيقه ليس صعباً
من جهة أخرى، يجب أن يساهم المعلم في غرس القيم والأخلاقيات المهنية مثل العمل الجاد والتعمق في التخصص والالتزام والصبر على بناء المهنة وعدم استصغار أي مهنة طالما انها تنتج قيمة وغيرها من القيم والأخلاقيات المهنية الضرورية للشباب في هذه المرحلة. غرس هذه القيم يأتي بالقدوة ويأتي بذكر القصص تحكي عنها من واقعنا الحالي
خامساً: التفرغ للإرشاد المهني
إلى اليوم لا يوجد مسار تخصصي واضح لمهنة الإرشاد المهني في كثير من دول العالم.. ولذا فإن بعض العاملين في هذه المهنة هم في الأصل معلمون وجدوا الحماس ولمسوا الأهمية العظيمة لهذا المجال وأثره على الطلاب ولذا تفرغوا أو صرفوا جزء من وقتهم لهذا المجال. في بريطانياً ومع إصلاحات التعليم المطبقة في 2011 أصبح الإرشاد المهني للطلاب متطلب أساسي في كل مدرسة وهناك مشرفون متخصصون للتأكد من تقديم خدمات الإرشاد المهني للطلاب بشكل فعال. لا أعرف متى سنصل نحن إلى هذه المرحلة لكن ما أعرفه انني عندما أقدم دروات تطوير مهارات الإرشاد المهني، فإنني أقابل عدد كبير من المعلمين والمرشدين الطلابيين وغيرهم من العاملين مع الشباب من يحملون الشغف الشغف للانغماس في هذا العمل والاستمتاع بذلك، ويقومون بجهود رائعة رغم ضعف التدريب والإمكانيات المتاحة. هذه علامات إيجابية وتدل أننا مع بعض الدعم الإداري من وزارة التعليم فسيكون لدينا فريق من المرشدين المهنيين الذين يقدمون سيتركون أثراً كبيراً على الشباب.
سررت بمروك الكريم، وأتمنى ان تسجل لي ملاحظاتك في اللتعليقات حتى أستفيد منها.


